"تكفى يبه.. تكفى..
طالبك طلبة.. طالبك ماتخليها تدخل ذا الكلية"
نبرة باردة صارمة تفيض صقيعا مدروسا: أظني إني عادني حي.. وشورها في يدي
وأنا قلت لها إذا جابت ذا النسبة .. بأخليها تدخل اللي هي تبي
ينهار على ركبتيه..وينكب على يد والده يقبلها.. ويهمس باستجداء موجع.. موجع حتى عنان السماء..
موجع حتى نهايات الوجع الموغلة في اليأس والألم والتشبث بمعاني رجولته البدوية الغالية:
تكفى يبه لا تخليها تفضحنا.. تكفى..
والله ماعاد أطلب منك شيء في عمري كله
بس لا تردني.. تكفى.. تكفى
طالبك يبه.. طالبك طلبة
يبه تكفى.. ما تهمك سمعتنا بين الناس؟!!
والده ينتزع يده بحدة وهو يحترق ألما لهذا الجاثي المبعثر عند قدميه.. يود أن ينتزعه من الأرض ليزرعه بين النجوم.. أن يمحي نظرة الإنكسار الذابحة في عينيه فهو الذي علمه ألا ينكسر ولا ينحني ولا يتردد..
تركه جاثيا في مكانه وابتعد عنه ليهمس بثقة صارمة.. مرعبة.. نبرة من لا يهمه في الحياة سوى قناعاته هو:
أنا ما يهمني حد
وهي بتدخل اللي تبي
ولا حدن بقاهرها وأنا رأسي يشم الهوا
كسره..
كَــسَــرَه..
كَــــــــسَــــرَه!!
كان الشرخ الأول.. والأضخم بينهما!!
كان حدثا فارقا بين أحداث فارقة مرت.. وأحداث فارقة أخرى ستمر!!
ولكنه كان وجعا صِرفا صافيا لكليهما
وإن صرّح أحدهما بوجعه حتى البكاء
وأنكره الآخر حتى النسيان!!!
************************
قبل واحد ثلاثين عاما
عالم غير العالم
ودنيا غير الدنيا
وبشر غير البشر
بحر ممتد.. وشاطئ عذب.. وأحلام تبدأ : لـتنمو.. أو لـتُـنحر!!
يجلسان على بحر منطقة دخان.. شابان غضان.. للتو يعبران حاجز التاسعة عشر عاما
يفرق بينهم الأصل والقبيلة
ويجمع بينهما الفقر والصداقة والرجولة
الكثير منها ثلاثتها
كثيرٌ من الفقر
وكثير من الصداقة
وكثير من الرجولة!!!
"زايد.. هونها وتهون يأخوك"
" قهرتني ياخليفة.. قهرتني"
خليفة بشبح ابتسامة: أبي أدري بس وش عايبك فيها..لسانها طويل
يبتسم زايد وهو ينظر للأفق خلف البحر الرائق: مهرة ياخليفة مهرة.. مهرة محدن عسفها
يبتسم خليفة: وانتي اللي تبّي تعسفها مع هالويه..؟؟!!
زايد يلتفت له بحدة.. ويهمس بغضب خفيض: وش فيه وجهي يابو وجه أنت؟!!
خليفة يهمس بنبرة حذر: تبي الصج وإلا ولد عمه؟!!
زايد بغضب مكتوم: خليفوه خلصني قدام أعصب
خليفة يبتسم وهو يلمس قفاه بحركة مقصودة: لا يأخوك كله ولا تعصب.. توني ماسلمت من تعصبيتك المرة اللي فاتت
زايد بذات الغضب المكتوم: تبي تقعد تغزل فيها وأسكت لك
خليفة يضحك ضحكته المجللة المغلفة بصفاء روح ما لوثتها المدنية: وأنا شعرفني إنها حبيبة القلب
زايد بغضب أكبر: هي أو غيرها.. احشم الناس اللي أنت جايهم
خليفة مازال يضحك ذات ضحكته التي تمنى زايد ألا تنطفئ من حياته يوما:
وهي ليه ماتغطي ويهها مثل باقي حريمكم.. أعرفكم تغطونهم من 12 سنة..
هذي صارت بقرة وهي كاشفة ويهها وتدور ببخنقها
زايد يلتفت ناحيته بحدة مهددة.. وخليفة يقفز ويبتعد عنه وهو يهمس بمرح: خلاص السموحة السموحة
هدي هدي خل نتفاهم
أنت الحين من جدك تبي تتزوج هالشمحوطة المزيونة اللي أطول منك يالقرد؟؟
زايد يحاول أن يهدأ: إيه.. وش فيها؟!! ولاعاد تقول المزيونة فقعت عيونك الثنتين
وقرد في عينك.. الرجال مخابر مهوب مناظر
وإلا يمكن بتقول لي مثل ماهي قالت لي.. إنه إبي كان راعي إبل عندهم قبل سنين.. وهي ماتزوج ولد الراعي
خليفة يبتسم بخبث : يمكن.. ليش لأ؟!!
زايد يعود للغضب الممزوج بكرامته المهانة هذه المرة: خليفة لا تقهرني مثلها..
أنت أكثر واحد عارف إنه إبي كان ضام حلالهم مع حلالنا.. يعني حن اللي متفضلين عليهم
لأنه إبيها جابها على كبر..وماعنده غيرها ولا يقدر على الأبل.. فأبي مساعدة منه كان مخلي حلالهم مع حلالنا
يعني سالفة الراعي ذي ما أدري من وين جابتها اللي ما تستحي؟؟
خليفة يهمس بهدوء يحاول به امتصاص غضب زايد: هذا أنت قلتها بنفسك.. يعني زود على أنها أنكرت فضلكم عليهم
تسبك وتقول ياولد الراعي.. يعني خلتكم إنكم جنتو ترعون عندهم وجنها هي بنت الشيخ
مع إن هذا موب صحيح والناس كلهم عارفين.. وش تبي فيها؟؟ هذي ناكرة يميل
زايد بألم شفاف.. شفاف.. شفاف.. مغرق في الشفافية وكأنه يحدث نفسه المتيمة في هواها:
كبرت قدام عيني.. وكل يوم يزيد غلاها.. لين ماعاد لغلاها محل
أحبها ياخليفة.. أحـــبــهــا
خليفة ببعض غضب: حبتك قرادة.. قول آمين.. خلها تولي
زايد بذات الألم الشفاف: تدري ياخليفة: لو أنا أخطبها من إبيها.. صدقني بيوافق علي على طول.. إبيها شايل همها عدا أنه يعزني واجد
تخيل إني تيك المرة يوم أنت شفتها ضربتها قدامه.. وهو ماقال شيء لأنه يدري إنها غلطانة
بس أنا كنت أبي أشوف رأيها قبل.. هذي بنية يتيمة.. وماعندها أم ترد لها الشكيا
ويمكن أحلامي صورت لي إنه يمكن في قلبها نفس اللي في قلبي
صدمتني بقسوتها.. ما تخيلتها كذا
خليفة يحاول أن يتكلم بمنطقية: زين خلنا من إنها تبيك أو ما تبيك
أنت واحد طفران.. ماعندكم إلا ذا الابل اللي أصلا كلت اللي وراكم وجدامكم
زايد بهدوء: جماعتنا كثير منهم مثلنا.. وش حن عايشين عليه إلا على ذا الابل؟!!
خليفة ينظر للبعيد: والله يازايد أنت والابل.. مثلي أنا والبحر والسمج
مالقينا فايدة.. لا تعليم تعلمنا ولا فلوس حصلنا
ثم همس بما يفكر به منذ وقت وكان ينتظر الوقت المناسب لمصارحة زايد به: زايد امش معاي للدوحة
الشباب هناك يقولون خير ربي.. الشغل وايد.. وفيه مدارس العصر
الناس كلهم راحوا للدوحة ماعاد باقي الا احنا اللي ساكنين في مناطق برع (برا) الدوحة.. وش ناطرين؟؟
خل نشتغل الصبح وندرس العصر.. وبعدين احنا درسنا عند الكتاتيب ونعرف نقرأ ونكتب زين.. يعني بنطوف لنا كم صف
زايد يهمس بخفوت كأنه يخاطب نفسه والفكرة تدخل إلى رأسه وتسيطر.. فلطالما كان ينفذ ما يقتنع به دون تردد: ليش لا..؟؟
بعد ذلك بشهرين
بيت قديم مُستأجر فيما يعرف اليوم بمنطقة الأسواق
بالقرب من سوق واقف
يدخل بتثاقل كأن أقدامه مغروسة في الأرض ..يعاني نزعها.. ليعاود غرسها مرة أخرى..
يلقي غترته على السرير الحديدي المفرد
ليلقي فوقه بأشلاء جسده الممزق ذهولا وألما
أي هم هذا؟!!
أي ألم يمزق روحه الشابة بمناجله المسمومة الصدئة؟!!
خليفة الذي كان يكتب واجبه أزاح الدفتر جانبا وهمس لزايد بقلق: زايد أشفيك؟؟
زايد يــنـــزف.. يـــنـــزف..
يشعر أنه لابد أغرق الأرض بنزيف روحه
همس وكأنه يتقيأ الوجع:
مـزنـة...... تــزوجـت
" آه يامزنة.. آآآآآآآه
أما آن لك أن تقتربي
مزنة ياحلمي الذي حلمت به حتى ملَّ الحلم مني
يا أبجديات الحلم التي ماعرفتُ يوما سواها
كيف استطعتِ أن تكوني قاسية هكذا.. ومتوحشة هكذا؟!!
أ هان عليكِ قلب زايد المتيم؟!!
أ هان عليكِ دمه المسفوح تحت قدميكِ؟!!
أ هان عليكِ أن تبعثري ما بقي من روحه المعلقة بأهداب عينيك؟!!
هل سيحبك هو كما أحبك أنا؟!!
هل ستشرق شمسه مع ابتسامتكِ؟!!
هل سيهذي باسمكِ كما أفعل؟!!
هل ستغرد روحه إن وصلت همساتكِ إلى أطراف سمعه حتى لو من بعيد؟؟
تعبت من الآهات.. تعبت
ماعادت آهات.. بل سهام تنغرز في روحي الثكلى لتبكي على مابقي من أطلالكِ
وداعا يا حلمي.. وداعا
وداعا يا مزنة !! "
بعد أقل من عام
زايد يأخذ خليفة من عمله على سيارته الجديدة GMC موديل 1980
خليفة يلتفت له وهو يهمس بحماس حقيقي: ها بشر؟؟.. وافقت عليك ؟؟
زايد يقلب شفتيه وهو يثبت يديه على المقود ويهمس بحياد: لا
خليفة يهمس بغضب عميق: إش عندها ذي.. أرملة وعندها ولد.. لا وويه نحس بعد.. ريلها مات وهي حامل
على شنو شايفه حالها؟؟!! أنت بس اللي معطيها ويه!!
أنت الحين ماشاء الله وضعك صار زين واستأجرت بيت في الدوحة
تزوج زايد.. تزوج شيختها اللي تسواها وانساها.. هي الخسرانة
زايد يهمس بثبات وعيناه تبحران.. تبحران: ماحد عندي يسوى أم امهاب
خليفة باستغراب: نعم؟؟ شنو اسم ولدها؟؟
زايد بهدوء موجوع: امهاب اللي المفروض يكون ولدي أنا..
مُهاب على قولت مدرسين العربي.. هي اللي اختارت ذا الاسم لولدها.. من يومها وهي غير وتفكيرها غير
خليفة يبتسم: بصراحة اسم غريب وايد.. بس حلو
ثم يردف في محاولة لإبعاد زايد عن أفكاره المرة: و على طاري مدرسين العربي.. ترا المدير يقول مستوانا متقدم وايد على مستوى اللي معنا
نقدر ندرس سادس هالصيف ونطلع أول إعدادي مع فتح المدارس
وندرس ثاني اعدادي الصيف الياي
بعد عدة أشهر
صفوف مدرسة قديمة.. كانت جديدة في حينه.. شباب صغار مثقلين بالحلم يجاورهم شيوخ مثقلين بالأمل..
وشتان بين حلم باللحاق بمستقبل قبل أن يمضي
وأمل في تصحيح ماض مضى!!
خليفة وزايد يجلسان متجاورين في انتظار المدرس..زايد يتنهد ويهمس بنبرة محايدة جافة كأرض بور: خليفة أنا خلاص بأتزوج
خليفة يبتسم بسعادة حقيقية وهو يشعر بصدمة حقيقية "أ يعقل أن هذا المجنون قد شُفي من هوسه المستعصي المسمى مزنة؟!! " : وأخيرا خلصنا من خبال مزنة
زايد بابتسامة هازئة مرة.. ابتسامة أشبه بالبكاء: ماخلصنا.. هي اللي خلصت
مزنة تزوجت مرة ثانية..عيّت مني وخذت واحد مثل الأولي والله مايستاهلون ظفرها
بس شأسوي.. مالي إلا القهر!!
أنا خلاص ياخليفة بأعرس وأجيب لي بنت وأسميها مزنة.. أبي على الأقل أدعي اسمها في بيتي
" هل هذا ما أردته يا مزنة؟!!
هل هذا ما أردته؟!!
تنتقلين من أحضان رجل لأحضان آخر
لتتركي أحضاني تحتضن خيالا مرا شاردا يبعث برودة أشبه بصقيع الموت في أوصالي
ثم لتسكن هذه الأحضان المنبوذة امرأة أخرى سواكِ
يصبح أقصى أمنياتي أن تنجب هي لي مزنة..
صغيرة أهمس باسمكِ حين أناديها.. وأرى في أطيافها بعضا من أطيافكِ الهاربة"
