رواية يحيى البحيري ورحمة
-أنا عايزك تجمعي لي أوراقك الشخصية كلها !
لقد كان من السهل حقًا خِداع زوجته، و تزييف الحقائق، من أجل الابتعاد عن المنزل عدة أيامٍ، بحجة السفر خارج البلاد لأجل التمهيد لافتتاح فرعًا جديدًا من شركته الأم، و إن كان يمقت نفسه على أفعاله المستجدّة، بل و يكاد يحتقر ذاته
و لكن مجرد التفكير بتلك الفتاة، و حقيقة إنها زوجته الآن، هي إثارة لا يقدر على مقاومتها أو صدّها، لأول مرة بحياته يتوق لشيء كما هو الآن، لقد فعلت "رحمة جابر" إبنة السائق البسيطة، ما لم تستطع امرأة فعله منذ سنوات، و حتى زوجته أم ولديّه.. حث الرجل البدائي الكامن بداخله و إيقاظه من سباته !
فمنذ زواجه بـ"فريال المهدي" إبنة الحسب و النسب في عمر يافع جدًا، لم يستمر هذا الشعور معه إلا لأيام قليلة فقط، قبل أن تبدي زوجته إنزاعاجًا من معاملة أنوثتها بوضاعة لا تليق بها، ثم تفرض عليه شروط، و هو ما لم يعارضه لأنه ظن بأنه يحبها و هذا يكفي
لكن لا، مع مرور الوقت اكتشف بأنه أبدًا لا يكفي، لا أحد يعرف ما قضى حياته الزوجية السابقة مصرًا على كتمانه حتى لا يُفسد استقرار أسرته، و كان راضيًا لو أكمل البقيّة من عمره هكذا لنفس الهدف
و لكن ظهور "رحمة" غيّر كل حساباته، و أغراه وضعها بعد وفاة والدها، إنها صيد لن يجد أسهل منه مطلقًا، علاوةً على إنها تعجبه كثيرًا، و إنه واثقًا من خضوعها الحتمي إليه، من نظرة عينها تمكن من رؤية الرغبة به و المماثلة لرغبته بها، بقليل من الضغط ستسلمه نفسها و هي راضية كل الرضا
إلا أنه قد وعدها، لن يقترب منها او يمسّها حتى يلتمس منها دعوةً صريحة، أو على الأقل تلميحًا واضح ...
يعود "يحيى البحيري" إلى شقته السريّة و التي أمتلكها في زمنٍ خلى ليلوذ بها هربًا من ضغوطات الحياة، و لكن بمفرده، لم تعرف امرأة أخرى غير "رحمة" طريق هذه الشقة و لم يزرها أحد على الإطلاق قبلها هي، حتى "فريال" لا تملك فكرة عنها
أشارت ساعة الحائط المذهبة بالصالة المركزية إلى العاشرة و النصف مساءً، عندما ولج "يحيى" إلى داخل الشقة جارًا خلفه حقيبة الملابس المتوسطة، كانت الإضاءة الخافتة تمهد له طريقه و هو يتحرّك بحثًا عنها بأرجاء المكان، لكنه لم يجدها بأيّ من الصالون أو غرفة المعيشة أو حتى بالمطبخ
لم يتبقّ سوى غرفة النوم إذن !
سحب "يحيى" نفسًا عميقًا و حسم قراره بالذهاب إليها، وضعًا بالاعتبار بأنه في جميع الأحوال سيعرج بالقرب من مخدعها لكي يصل إلى مضجعه هو، إلا إن الفضول ينتابه بشدة ليرى ماذا تصنع في هذه اللحظة !؟
و عرف !
بمجرد أن دفع باب الغرفة الموارب، لم يدخل على الفور، بل جمد تمامًا كتمثالٍ، عندما رآها ممدة بمنتصف الفراش، لم تكن مفاجأة كبيرة أن يراها نائمة، و صحيح أنه لم يتبيّن منها شيء واضح، لكن التفكير فقط أنها تنام في بيته، فوق سريره، و على مبعدة ذراعين منه جعل أعصابه تتوّقد ...
ازدرد ريقه متوترًا، و رغم إنه يخاف من مواجهة هذا، لكنه مضى مدفوعًا بذات الفضول، و يا ليته لم يفعل، إذ كانت كارثة هزّت كيانه حرفيًا
تلك الشيطانة الصغيرة.. ما الذي تحاول فعله بالضبط !؟؟
و هي ترقد بذلك الثوب الذي يعرفه جيدًا، إذ إنه قد اختاره بنفسه، لم يتوقّع أبدًا أن يراه عليها مبكرًا هكذا، ليس حتى أن يتم الوصال بينهما عدة مراتٍ لتتخطّى حاجز الرهبة منه
اللعنة !!
كان الغطاء الخفيف قد انحسر عنها فعليًا، و سقط بعضه إلى الأرض، فبدت في الثوب الأسود الشفاف عليها أكثر إثارة مِمّا رآها للمرة الأولى في بيت والدها، كانت أعضاؤها الأنثوية متوّثبة في الثوب الضيّق صارخة بالأنوثة التي تستجدي أن يمتلكها من هو له الحق
أليس هو له كل الحق !؟
يطرد "يحيى" زفيرًا مطولًا بشكل مفاجئ، يبعد ناظريه عنها بسرعة غير قادرًا على العبث بأعصابه أكثر من ذلك، يستدير ممسكًا بمقبض حقيبته، ثم يولّى فورًا نحو الباب الجانبي بزاوية الغرفة، و الذي لم يكن سوى معبر لغرفة أخرى مشتركة و لكنها أصغر حجمًا و أكثر تواضعًا من حيث الفرش و الأثاث
كان مرهق ذهنيًا لدرجة لم يأبه بفتح الحقيبة ليخرج شيء ينام فيه بدلًا من بذلته الثمينة، خلع حذائه فقط و ألقى بسترته بإهمالٍ، ثم رمى بنفسه فوق الفراش آملًا أن يتمكن النعاس منه، و لكنه يعي تمامًا صعوبة حدوث ذلك، بعد ما رآه و إدراكه بأن الجسد الذي لطالما أشتهاه ليس ببعيد عليه، و أنه يمتلك شرعية حصوله عليه في أيّ وقت شاء، لم يكن أبدًا بهذا الضعف من قبل
سحقًا !!!
إنفتح جفناه مرةً واحدة، لا يدري هل نام حقًا أم إنه أغمض عينيه فقط، و لكن الصرخة التي دوت عبر المسافة الفاصلة بين الغرفتين كانت كفيلة بنزعه من الفراش، ليكون عندها خلال ثوانٍ ...
-رحمـة !
إلى جانب صراخها المرعب، أيقظها أيضًا صياحه الخشن المذعور من سلسلة كوابيس مفزعة جعلتها تتخبّط في الفراش كالممسوسة متعرّقة و محمومة بشدةٍ، فتحت عينيها بلحظةٍ شاخصة بقوة، لترى ضوء الغرفة قد أضاء فجأة، و ذلك الشبح المتجول أمامها يقترب لتكتشف بأنه لم يكن سوى زوجها المزعوم !!!
-رحمة. إيه إللي حصل مالك ؟ .. قالها "يحيى" و هو يطلّ فوقها الآن بوجهٍ يعصف بالقلق
ارتعشت "رحمة" من لمسة يده على جبينها المندى، كانت في أقصى حالات وهنها، و لم تساعدها إطلاقًا رؤيته على هذا الشكل، حيث عينيه الرماديتين تومضان بالعاطفة، و صدره القوي بارزٌ وراء قميصه المفتوح، كل شيء فيه يربكها و يدفعها للفرار منه و الركض إلى أحضانه في آنٍ ...
-شفت كابوس ! .. نطقت "رحمة" بصعوبةٍ و هي تحدق فيه ملء عينيها
رفع "يحيى" يديه عنها للحظاتٍ، ليصب لها كأس من الماء و يضيء مصباح السرير بجوارها، لاحظ بوضوح انتفاضة جسمها عندما دس ذراعه حولها ليساعدها على الجلوس، إنه فعليًا كان يعانقها !!!
لم يستمر هذا إلا ثوانٍ كانت كفيلة بتخدير حواسها، ليسقظ ظهرها فوق الوسادة خلفها، بقيت ترنو إليه فقط بإرادة معدومة، بعد أن لاحظت عينيه الجميلتان تتأملان وجهها و كتفيها العاريتين بشغفٍ لم ينجح في مداراته ...
-اشربي مايّة ! .. تمتم "يحيى" بهدوء و هو يمد لها كأس الماء
رفعت يدها بثقلٍ و تناولت منه الكأس، قرّبته من فمها وشربت القليل، ثم أعادته إليه هامسة :
-شكرًا.
سألها بجمودٍ و هو يعيد الكأس إلى الطاولة :
-الكوابيس دي علطول بتجيلك ؟
هزت رأسها ببطءٍ و هي ترد عليه بنبرةٍ مهزوزة :
-لأ. دي أول مرة يحصل لي كده !!
طمأنها بوداعته المعهودة :
-عادي يحصل لك كده في الأول. المكان جديد عليكي. و ظروف وفاة والدك.. كل حاجة جديدة. بس هاتتعودي بسرعة. ماتقلقيش.
راقبت عيناه يدها المرتعشة و هي ترتفع لتعيد خصلة حجبت عينها وراء أذنها، ثم سمعها تقول بارتباكٍ واضح و هي تبذل جهدًا لتنظر إليه مباشرةً دون أن يغلبها الخجل :
-انت جيت إمتى ؟ أنا ماحستش بيك خالص !
جاوبها و لا يزال مركزًا نظراته عليها باهتمامٍ :
-أنا لما رجعت كنتي انتي نايمة. دخلت الأوضة شفتك كده ف ماحبتش أزعجك ...
لم تكن غبية إلى حد إغفال إيحائه بأنه رآها هكذا، يعني بأنها كانت عرضة لناظريه و هي تنام في هذا الثوب المثير، ما كان عليها أن ترتديه، و لكنها حقًا تحب هذه النواع من الألبسة النسائية، تناسبها و تشعر بالراحة و الحرية فيها، هذه الألبسة التي لطالما خاضت جدالاتٍ حادة مع أبيها لأنها كانت تصول و تجول بها بمنزلها القديم، لم تكن تتحمل توبيخه لها ففضلت أن تضعها على جسمها حين تخلد إلى الفراش فقط
إنها حقًا غبية، ما كان عليها أن ترتدي هذا و هي تعلم بأنه ربما يعود في أيّ وقت و يراها فيه، يا لحظها التعس !!
تابع "يحيى" و هو ينظر إلى عينيها الآن :
-و أصلًا مافيش سبب عشان أزعجك. أنا سايب لك الأوضة الرئيسية دي. و ناقل كل حاجتي في الأوضة إللي جنبك. صحيح باب بيفصل بينّا. لكن أنا أكيد هاحترم خصوصيتك ...
و سكت للحظة، ثم أضاف بلهجةٍ موحية :
-لحد ما تقرري إن مافيش خصوصيات بينّا !
كلماته ملأت قلبها حرجًا مفاجئًا، و استطاع هو أن يدرك تأثير ما قاله عليها، فتنهد مشيحًا بوجهه عنها، بدا عليه عدم الإرتياح، و أطرق برأسه بينما يخرج صوته واهنًا كالهمس :
-أنا آسف !
هذا كثير.. بصدق ؛ إنها المرة الثانية في يومٍ واحد التي يعتذر منها و لا تعرف السبب ...
استطرد دون أن يغيّر من وضعيته شيئًا :
-وعدتك إني مش هاضغط عليكي.. لكن حتى لو مش بالأفعال. كلامي بيثبت إني مش بوفي بوعدي ...
أدار وجهه إليها ثانيةً، ثبّت عينيه على وجهها دون أن يطرفهما للحظة، أطال التحديق فيها، فتسارعت نبضات قلبها بينما يضيف بصوتٍ أجش :
-أنا مش عايزك تحسّي أبدًا إني بستغلّك بسبب ظروفك. عشان كده بس أنا بحاول على أد ما أقدر إني أحافظ على مسافة بيني و بينك.. رحمة. أنا من أول ما شوفتك مش بتروحي من بالي.. غصب عني بفكر فيكي طول الوقت. مش ممكن تتخيّلي الراحة إللي حسيت بيها لحظة ما بقيتي مراتي. انتي أول واحدة أحس ناحيتها بالمشاعر دي.. أنا عارف إني بلعب بالنار. و إنها ممكن تحرقني. بس أنا.. عايزك.. رغم كل حاجة !
الآن اعترف !!
و هذا كل ما تمنت أن تسمعه منه، لقد أغرمت به منذ الوهلة الأولى، و مثله تمامًا لم تتوقف عن التفكير فيه، و لم يمر على بالها دون أن يحدث اضطرابًا كلّي لمشاعرها، تحلم به كل ليلة، هي أيضًا تريده، لعله يراها هدف يود الوصول إليه، لكنها تراه أمان و احتواء.. إن لم تكن قد وقعت بحبّه فعلًا !!!
ندت عنه نهدة عميقة الآن و هو يمسح على وجهه مغمغمًا بخشونة :
-آسف إنك بتسمعي مني الكلام ده. حاسس إني بتصرف بأنانية.. جايز فكرت قصادك بصوت عالي. ماتقلقيش. أنا هحافظ على وعدي ليكي.. حتى لو استنيتك كتير. حتى لو ماكنش في أي مقابل للإنتظار. أنا عمري ما هاجبرك على حاجة. و هاتفضلي أمانة عم جابر إللي هصونها لحد أخر يوم في عمري ...
نظر إليها مجددًا و قال مبتسمًا بصعوبة :
-هاسيبك تنامي دلوقتي.. و اطمني أنا جنبك هنا. انتي مش لوحدك.. تصبحي على خير !
و همّ بالقيام من أمامها، لتمتد يدها في لمح البصر لتقبض على ذراعه، جمد "يحيى" بمكانه، و نظر إلى يدها التي تمسك به، ثم نظر إليها، إلتماع عينيها، رجفتها الواضحة مثل عصفورٍ يرفرف، و ماذا بعد !؟؟
-ماتسبنيش لوحدي.. خلّيك معايا لو سمحت !
أهي رغبة خالصة التي يراها تطلّ من عينيها الآن ؟ .. حقًا هي تريده أن يبقى معها ؟ .. و لكن هل تعرف هي ما يترتب عليه بقائه لو وافق ؟
لن يكون بإمكانها أن تتراجع بمجرد أن يمضي إلى هذا ...
سرت الحرارة في جسده عندما صدمته و زحفت ناحيته لتصير قربه، لا تفصلهما سوى عدة بوصات، فأقشعرّت و هي تحس بحرارة أنفاسه تغمر وجهها، رفرفت بأهدابها الطويلة و هي ترفع يدها الأخرى لتحط بها فوق كتفه الدافئ مغمغمة من بين أنفاسها :
-أنا كمان.. أنا كمان عايزاك !
بعد أن أتمّت جملتها، فجأة، انفجرت مشاعره بشكلٍ أرعبها، عندما أعطته الضوء الأخضر، إنتفى عقله و أيّ مظهر من مظاهر التفكير و المنطق
شهقت عندما قبضت أصابعه الغليظة حول معصمها، و قبل أن تدرك شيئًا آخر كان قد سحبها تجاهه بقوةٍ أخافتها في البادئ، ثم لصق فمه بفمها و هو يدس ذراعه من حولها ليحتويها بأحضانه الواسعة
حضنه مريح، لكنها لم تلين بسهولة، فجأة صارت أعصابها مشدودة من هجومه غير المتوقع، إلا أن قبلته المتعمّقة جعلت الحرارة تتصاعد من معدتها، و بالتالي تخور و تتلاشى كل مخاوفها، لتصبح أداة طيّعة بيده الخبيرة، كان يعرف كيف يخضعها و هو ما حدث أسرع مِمّا خطط له، إنها حقًا بريئة كما وصفها والدها ...
تسقط "رحمة" من جديد فوق الوسادة مدفوعة بضغطه عليها، بينما تعمل يديه بمهارة لتزيلا قميصه و تستكشف الجسد الذي اشتهاه كما لم يشتهي أيّ شيء في آنٍ، كانت تنتفض مع كل لمسة من يده، الجرئية منها خاصةً، تدمع عيناها، تفلت أنفاسها على شكل شهقات لتخبره بفقر خبرتها بل إنعدامها في هذا الميدان، كانت ضائعة و في نفس الوقت مشوّشة، خائفة من التجربة الجديدة الوشيكة
ثم فجأة لفحها البرد حين دفعها "يحيى" بعيدًا و هو يقول من بين أنفاسه :
-لحظة.. راجع لك تاني !
بالكاد استطاعت فتح عينيها قليلًا لترى ظلّه يحوم فوقها، قبل أن يختفي في الغرفة المجاورة، عاد بعد لحظاتٍ لينضم إليها في السرير مرةً أخرى ...
-اشربي ده !
بدا متسلّطًا في طلبه، و ساعدها لتجلس و هو يقدّم لها حبّة دواء، و لكن أهي مريضة !؟
-إيه ده ؟ .. تساءلت "رحمة" ببلاهةٍ
رد "يحيى" و هو يدس الحبّة بفمها فعليًا :
-بس اشربيه. ماتخافيش.. بعدين أقولك ده إيه. وعد.
و لأنها بالطبع تثق به، لا تعرف كيف واتتها تلك الثقة العمياء بهذه السرعة، لكنها انصاعت لطلبه و ابتلعت الحبّة بجرعة من الماء ...
نظرت إليه و هي تعبئ نفسًا عميقًا إلى رئتيها، رأت عيناه تبتسمان بتلك الملائكية التي تجعل وسامته لا تقاوم أبدًا، يأخذ وجهها بين كفّيه من جديد، و يقبّلها بشغفٍ أذابها بين يديه للمرة الثانية، قطع القبلة ليدفعها فوق الوسادة مجددًا، رفع ذراعيها فوق رأسها و خلل أصابعه بأصابعها، ضغط يديها على الوسادة بشدة ، نظر بعينيها.. ثم حطّم وعده لها بأن يمنحها كل الوقت لتستعد
حطّمه تمامًا ...
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
لم تجد "رحمة" زوجها بجانبها عندما تقلّبت في السرير باحثةً عنه ...
نوعًا ما تشعر بالراحة، و تنظر إلى ساعة التنبيه المجاورة لتصدمها العقارب التي تشير للواحدة بعد الظهر، لقد تأخرت في النوم كثيرًا لأول مرة بحياتها، و لكن لماذا تستغرب !؟
إن الحدث كان جلل بالفعل.. لقد باتت حقًا زوجة حقيقية لـ"يحيى البحيري"... و هي التي ظنّت بأن هذا لن يحدث في المدى المنظور.. لكنه حدث بهذه البساطة !!
ابتسمت "رحمة" و هي تتمطّى بكسلٍ و تستعيد في نفس الوقت ذكريات الليلة الماضية، كسا الخجل ملامحها الجميلة و التي زادت جمالًا بفعل الحب و ممارسته، لقد سمعت عنه كثيرًا من صديقاتها المتزوجات في سنٍ مبكرة، و حتى بعض جاراتها، و لكن ما سمعته كله لا يُقارن بالمرة بما عاشته، لقد كان شيئًا عجيب، لا يمكن وصفه
رغم إنها لم تكن سهلة على الإطلاق، ربما قدّمت نفسها له في البداية، و لكن مع تخطّي الحدود، مع شعورها بأن الأمر يزداد جديّة و تعمقًا، ثار جسمها غريزيًا في دفاعية، و صارت تحمي أعزّ ما تملك بضراوةٍ شرسة معتقدة بأنه سوف يسأم و يتركها.. لكنه لم يفعل !
كان متفهمًا، صبورًا و هو يتعامل برفقٍ مع عذريتها، حتى استسلمت له شيئًا فشيء، توجب عليه أن يأخذها على حين غرّة لكي لا يعطيها فرصة أخرى للتمرد، و كما توقّع عادت تقاومه من جديد، لكنه ثبتها باحكامٍ، و في نفس الوقت أشعرتها الطريقة التي يمسكها بها بنوعٍ من الحماية، في خضم محنتها و شعورها بالهزيمة و أيضًا بكائها الصامت، كان يزيدها من القبلات الرقيقة و الشغوفة على شفتها و فكّها، كان رائعًا و غير متوقعًا.. فتارة يكون متحمسًا و ساخنًا.. و تارة يكون لطيفًا و رفيقًا
تلك اللحظات التي عاشتها، لم تكن مخيفة كما كان يروّج لها البعض أمامها من قبل، لم تكن أيضًا مجرد وقت مثير، بل كانت أروع شيء خاضته في حياتها، و خاصةً معه هو، الرجل الذي سرق قلبها، لا لم يسرقه.. لقد أعطته إيّاه عن طيب خاطرٍ.. و هي أبدًا لن تقايض حياتها معه مقابل أيّ شيء آخر في الحياة... إنها تريده هو.. هو فقط !
تنهدت "رحمة" بسعادة و هي تقفز من فراشها بخفة الفراشة، غطت جسدها بروب خفيف، ثم فتحت النافذة العريضة على مصراعيها لتستنشق هواء البحر المنعش المقابل لها تمامًا، كان المنظر خلّاب و الشمس لطيفة بالسماء و كأنها تباركها و تسعد لأجلها
من ذا يُصدق بأنها قبل يوم واحد فقط كانت منهارة لخسارة أبيها ؟
أبيها الذي رغم قسوته عليها منذ صارت يتيمة الأم في عمر الخامسة، لكنها كانت تحبه، و تألمت لفقدانه.. كيف عوّضها القدر بسرعة مذهلة ليبعث لها بزوج مثل "يحيى البحيري" !؟
إنه يفوق كل أحلامها و طموحاتها.. إنه هبة غالية !!!
-أخيرًا صحيتي !
انتفضت "رحمة" لدى سماع صوته، استدارت بسرعة لتراه واقفًا عند مدخل غرفة النوم، توقّعت أن يكون بالغرفة التي خصصها لنفسه، أو أنه قد غادر لمكانٍ ما، لكنه كان هنا.. لم يذهب لأيّ مكان ...
-صباح الخير ! .. تمتمت "رحمة" بأشد الاضطراب
قهقه "يحيى" بإشراقٍ أسرها و هو يمضي إلى داخل الغرفة قائلًا :
-صباح الخير إيه بقى. ده انتي لسا قايمة الضهر.. إوعي تقولي إنك كسلانة علطول كده !!
كانت تزدري ريقها مراقبة إيّاه و هو يخطو ناحيتها، لأول مرة تراه بدون ملابسه الرسمية، فهو الآن يرتدي سروال بيجامة من نسيج الحرير، فوقه روب قصير مفتوح يكشف عن صدره العضلي و بطنه المسطّح، كان أكثر جاذبية و حيوية، مثلها ...
-أنا متعودة أصحى بدري كل يوم ! .. قالتها "رحمة" بصوتٍ خفيض و هي تتململ بمكانها
تشعر بأنها محاصرة، و لكنها تحب ذلك، تابعت عندما وصل أمامها و صار قريبًا جدًا منها :
-بس. يمكن طوّلت في النوم عشان.. إمبارح ...
و صمتت غير قادرة على إكمال جملتها، فابتسم "يحيى" و رد عنها :
-إمبارح سهرتنا طوّلت شوية.. بس أنا قمت قبلك. أنا كمان متعود أصحى بدري و مابحبش أنام كتير.
كان مزاجه رائقًا حقًا و قد أربكتها نظراته التي لا تفوّت رصد أقل حركة تصدر عنها، أطلقت نفسًا مرتجفًا من صدرها و فجأة حانت منها إلتفاتة عابرة إلى الغرفة، فوجدت أنه أحضر باقات عديدة من مختلف أنواع الورود و الزهور، لتقول و هي تلوّح بيدها ناحيتهم :
-شكرًا على الورد !
رفع "يحيى" حاجبيه و قال بصوته العميق دون أن يزيح بصره عنها :
-لسا ملاحظاهم ؟ أنا طلبتهم بالتليفون أول ما صحيت. كنت عايزك تشوفيهم أول ما تفتحي عينك.
أومأت له و هي تقول برقةٍ :
-حلوين أوي.
-مش أحلى منك طبعًا !
و قبض على يدها ليرفعها إلى فمه.. ثم يطبع قبلة ناعمة بباطن كفّها و هو يتواصل معها بالعين
دوّختها تصرفاته، ما دفعه أن يبتسم مجددًا و هو يراقب تعبيراتها كيف تتغيّر تأثرًا به ...
-أنا عايزك تجمعي لي أوراقك الشخصية كلها ! .. قالها "يحيى" دون أن يفلت يدها من قبضته
قطبت "رحمة" متسائلة بريبةٍ :
-ليه ؟
-أنا بلّغت الكل إني مسافر للشغل. و انتي عارفة طبعًا إني ماسفرتش و إني معاكي دلوقتي.. بس بعد إللي حصل إمبارح غيّرت خططي كلها و قررت أسافر فعلًا. و انتي هاتكوني معايا.
فغرت فاها و هي تردد غير مصدقة :
-أنا هسافر معاك !؟؟
أومأ لها مؤكدًا :
-أيوة هاتسافري معايا. أقل هدية ممكن أقدمها لك بعد ما هادتيني نفسك شهر عسل يليق بيكي.
تضرجت وجنتاها بالدماء على إثر كلماته، و لا زالت لا تصدق ما يخبرها به، هل حقًا ستسافر ؟ .. ستقضي شهر عسل خارج البلاد ؟ .. و معه هو !؟؟
-و ده مش كفاية عليكي ! .. تمتم و قبضته تنتقل من يدها إلى أسفل ظهرها
يقرّبها إليه أكثر، جفناه ثقيلان و صوته تحول إلى الهمس و هو يدنو بفمه نحو فمها بحركاتٍ مدروسة :
-أنا مش هاسيب أي فرصة تعدي منغير ما أقدم لك كل إللي تستاهليه.. و أكتر !
بالطريقة التي يتفاعل بها جسدها معه، لم تمانع أبدًا هذه المرة عندما قبّلها و هو يسحبها مجددًا نحو السرير، كان أكثر من مرحبًا به ...
