4a37beaa7666d3f1f9800b9339e74913

رواية صمت غفران

 



قبل زواجي بأيام، جلست أمي بجواري تمسك يدي، وكأنها تسلّمني آخر وصاياها قبل أن أغادر بيت أبي إلى بيت رجل آخر.

نظرت في عينيّ طويلًا، ثم قالت بنبرة جادة لم أعتدها منها:

ـ الراجل يا بنتي لو حس إن مراته بتحاصره، بيزهق منها ويبعد عنها. سيبيه على راحته، ومتدوريش وراه، ومهما شفتي حاجة ضايقتك عديها. أهم حاجة بيتك يفضل واقف. جوزك غني، وهتلاقي حواليه بنات كتير، ولو فضلتي مركزة دي قالت إيه ودي عملت إيه، هتتعبي نفسك بإيدك.

كنت أستمع إليها باهتمام شديد، وأهز رأسي مع كل كلمة.

لم أكن أراها امرأة تخيفني من الزواج، بل كنت أراها امرأة سبقتني إلى الطريق، وعاشت ما لم أعشه، ولذلك ظننت أن كل كلمة تخرج من فمها هي خلاصة عمر كامل من التجارب.

قالت وهي تضغط على يدي:

ـ ومتقوليش له: رايح فين؟ جاي منين؟ مين اللي كلمك؟ وليه اتأخرت؟ الراجل بيحب الست اللي واثقة فيه.

ابتسمت لها وقتها وقلت بثقة الفتاة التي لم تعرف بعد أن بعض النصائح قد تُفهم بطريقة خاطئة:

ـ هعمل زي ما قولتي يا أمي.

كنت أريد أن أكون زوجة جيدة.

زوجة هادئة، لا تلاحق زوجها بالأسئلة، ولا تفتش هاتفه، ولا تحاسبه على كل دقيقة تأخير، ولا تجعل بيته مكانًا يهرب منه كلما ضاق صدره.

لكنني لم أفهم وقتها أن هناك فرقًا شاسعًا بين أن تمنحي زوجك مساحة من الحرية، وبين أن تلغي وجودك تمامًا من حياته.

لم أفهم أن الثقة لا تعني أن تغلقي عينيك.

وأن التغاضي عن بعض الأخطاء لا يعني أن تسمحي لأحد بأن يتجاوز حدودك.

وأن الحفاظ على البيت لا يكون دائمًا بالصمت... أحيانًا يكون الكلام هو الشيء الوحيد القادر على إنقاذه.

لكنني كنت صغيرة، وممتلئة بالأمل، ومقتنعة أن المرأة الذكية هي التي تعرف كيف تحتوي زوجها، فقررت أن أكون زوجة صالحة صامتة.

قررت أن أغمض عيني عن الأخطاء الصغيرة، وأمرر ما يضايقني، وأمنحه المساحة التي طلبتها مني أمي، على أمل أن يرى في هدوئي احترامًا، وفي طاعتي حبًا، وفي صمتي ثقة.

كنت أظن أن الرجل حين يجد زوجة لا تزعجه ولا تحاصره ولا تسأله كثيرًا، سيزداد تمسكًا بها.

ولم أكن أعرف أن بعض الرجال حين يجدون امرأة لا تسأل... لا يشكرونها على ثقتها، بل يختبرون إلى أي مدى تستطيع أن تصمت.

في اليوم الأول من زواجنا، كان كل شيء جديدًا عليّ.

البيت، الغرفة، وجود رجل أصبح زوجي بين ليلة وضحاها، وحتى الطريقة التي بدأت أنظر بها إليه.

لم تعد بيننا تلك المسافة التي كانت تفرضها الخطوبة والخجل والحدود.

اقتربت منه كما تقترب امرأة من حياتها الجديدة؛ بلا حواجز، وبقلب مفتوح، وبثقة كاملة أن هذا الرجل أصبح الآن شريكي وسندي.

كان زوجي رجلًا وسيمًا، ثريًا، صاحب نفوذ، يعرفه الكثيرون وتحسب له الناس حسابًا.

وكانت تلك الأشياء كلها تجعلني أشعر أنني محظوظة.

وفي صباح اليوم الثاني، وبينما كنا نتناول الإفطار، رفع عينيه نحوي وقال ببساطة:

ـ بصي يا غفران... لو اتأخرت في شغلي يوم أو حاجة، بلاش ترني عليّا وتبقي زي أي زوجة نكدية. إنتِ عارفة إني بشتغل، ومسؤول عن موظفين كتير تحت إيدي، ومش كل شوية هقدر أمسك الموبايل وأقولك أنا فين.

توقفت يدي للحظة، ثم ابتسمت.لعو

لم أشعر بالإهانة.بل على العكس... شعرت أنني أمام فرصة لأثبت له أنني مختلفة عن كل النساء اللواتي يخاف منهن الرجال. 

رفعت عيني إليه وقلت بصوت هادئ:

ـ اطمن يا حبيبي، أنا مش من النوع ده خالص. مقدّرة شغلك، وكفاية تعبك بره البيت.

ابتسم ابتسامة صغيرة، وعاد إلى طعامه.

أما أنا، فبقيت أنظر إليه وأنا أشعر بالرضا عن نفسي.

كنت أقول في داخلي:

"شايف؟ أنا هكون الزوجة اللي يتمناها أي راجل."

ومرت الأيام الأولى هادئة.

كنت أستيقظ قبله لأجهز له إفطاره، وأعرف الأشياء التي يحبها دون أن يطلبها، وأعد له طعامه المفضل، وأرتب ملابسه، وأستقبله بابتسامة مهما كان موعد عودته.

إذا عاد متأخرًا، لا أسأله أين كان.

إذا أمسك هاتفه طويلًا، لا أنظر إلى الشاشة.

إذا خرج مرة أخرى بعد عودته بوقت قصير، لا أقول: "رايح فين؟"

كنت أكتفي بجملة واحدة:

ـ ربنا معاك.

وفي كل مرة كان يتأخر فيها، كنت أقاوم رغبة صغيرة بداخلي في الاتصال به، ثم أتذكر كلام أمي فأبتلع السؤال قبل أن يخرج.

"الراجل بيحب الست اللي واثقة فيه."

فأقنع نفسي أن صمتي ثقة.وأن احتمالي حب.

وأن عدم سؤالي نضج.

وأن كل ما أفعله الآن هو الطريقة الصحيحة للحفاظ على زواجي.

كنت أنظر إلى وسامته، وإلى مكانته، وإلى الحياة التي أصبحت جزءًا منها، وأقول لنفسي:

"هذا هو الرجل الذي اختاره عقلي، ومال إليه قلبي... ومع الوقت سيعرف قيمتي. ستصلحه طاعتي واحتوائي له، وسيجعل منه حبي رجلًا لا يرى امرأة غيري."

كنت أؤمن بذلك من كل قلبي.

حتى إنني في إحدى الليالي، حين عاد بعد منتصف الليل، لم أسأله أين كان.

دخل إلى البيت بهدوء، خلع سترته، ووضع هاتفه على الطاولة.

نظرت إليه وابتسمت:

ـ اتأخرت... كنت مستنياك.

نظر إليّ لحظة، ثم قال ببرود

ـ قولتلك متستنيش.

ابتسمت رغم أن الجملة وجعتني.

ـ عادي... أنا بحب أستناك.

دخل غرفته، وتركني وحدي.وقتها لم أعاتبه بل جلست بجانبه احكى له مدى حبى له 

بل جلست للحظات بعدها ألوم نفسي لأنني شعرت بالضيق أصلًا

"أكيد تعبان... وأنا لازم أكون أهدى من كده."

وهكذا، من دون أن أشعر، بدأت أتعلم أول درس في زواجي...

أن أكتم السؤال قبل أن أسأله.ثم أكتم الزعل قبل أن أتكلم.ثم أكتم الشك قبل أن أواجه.

حتى أصبح الصمت بالنسبة لي ليس مجرد اختيار...

بل عادة.

وكنت أظن أنني بذلك أحافظ على بيتي.

ولم أكن أعرف أن البيت الذي تُغلق فيه كل الأبواب أمام الحقيقة، قد يبدو هادئًا من الخارج...

لكن شيئًا ما في داخله يكون قد بدأ ينهار.

مرت الايام وكنت افعل كما وصتنى امى الى أن جائتنى رساله على هافتى من رقم غريب فتحت الرسالة وجدت صوره لزوجى مع أمراءه اخرى فى وضع حميم وقالت لى 

ـ انا حبه الأول والاخير وهو دلوقتي قاعد جمبى وفى حضنى وبسمعنى اجمل الكلام من الغزل واد ايه الفرق بينى وبينك كبير وانك عمره ماقدرتى ملى عينه 

 لم استطع الصمود وارسلت لها 

ـ العشيقه ستظل عشيقه وهتفضلى فى السر وانا فى النور لان ده مكانك 

كنت اظنها نذوه لزوجى لكن فقت على اكبر صدمه لم اتوقعها 

جائنى زوجى ذلك اليوم ووجه محتقن من الغضب 

يمضِ وقت طويل بعد تلك الرسالة حتى أشرع باب الشقة بعنف، فدخل زوجي ووجهه محتقن بدم الغضب، وعيناه تشتعلان بنيران لم أرها فيه من قبل.

أغلق الباب خلفه بقوة جعلت جدران الصالة ترتجف، وتقدم مني بخطوات سريعة وثقيلة، وهاتفه في يده يهتز من شدة انفعاله. وقف أمامي مباشرة، وألقى الكلمات كالرصاص في وجهي بلا أي مقدمات:

ـ انتي إزاي تتجرئي وتبعتىلها رسايل وتكلميها بالشكل ده؟! إزاي تسمحي لنفسك تضايقيها وتقولي لها "عشيقة"؟!

وقفت مكاني متسمرة، شعرت أن الدم جرى عكس اتجاهه في عروقي، ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد وأنا أراه يدافع عنها هكذا. أكمل حديثه بصوت غاضب وساخر، وكلماته تطعنني في عمق كرامتي:

ـ فوقي بقى لنفسك وافهمي.. دي مش عشيقة زي ما أنتِ مفكرة! دي البنت اللي بحبها بجد، واللي جت على نفسها واستحملت كتير عشاني وعشان ظروفي.. مش زيّك، مولوده فى بقها معلقه دهب 

ابتلعت ريقي بصعوبة بالغة، ودموعي تحرق جفوني، فصرخت بصوت خافت يملكه القهر:

ـ بس بس حرام عليك 

لم يصمت ولم يكتفى بل ذاد الامر وجعا 

ـ من بكره، هعلن ارتباطي بيها رسمياً، وهتتجوزها على سنة الله ورسوله، وهتبقى زيها زيك.. لا أعلى منك كمان، لأنها في قلبي وهي الأساس، وأنتِ مجرد اسم في البيت وبس!

وقفت كمن تلقى صاعقة ؛ لم اعلم ما يجب على فعله قررت اللجوء لوالدتى لعلها تعطينى حلا او تخبرنى ان انفصل عنه لكن ما حدث******

#صمت_غفران

رواية صمت غفران


_أنا اتكلمت مع أهلي، والأفضل نتجوز في البيت عندنا. البيت كبير، وكل حاجة موجودة، وإحنا هنكون مع بعض وخلاص.

بصتله بعدم استيعاب:

 _اتكلمت مع أهلك؟! من غير ما تقولي؟ ده كان اتفاقنا من أول يوم يا علي.

رفع كتفه ببرود: 

_الاتفاقات بتتغير يا غُفران.

_بس دي حياتنا إحنا الاتنين مينفعش تقرر لوحدك.

_وأنا قررت بالفعل غير إني أغلب الوقت هكون مسافر شغلي، فوجودك هِنا هيكون أحسن ليكِ.

ضحكت بتهكم واضح وأنا ببعد كام خطوة، وقُلت: 

_بلاش يا علي عشان الطريق آخره مش هتستحمله.

_ما تجربي تدي فرص يا غُفران، مش فرصة واحدة، فوقي يا ماما هو بقى جوزك، مش خطيبك وتسيبيه!

رفعت عيني لها بصدمة، ولساني سبق تفكيري، وكل الكلام اللي كنت بكتمه خرج مرة واحدة: 

_كام فرصة؟!!

إتنهدت وهي بتحاول تسيطر على نبرة صوتها، وقالت وكأنها بتتكلم عن شيء طبيعي جدًا:

_ألف فرصة يا غُفران مليون مالا نهاية.

 خلاص ده الواقع، هتتقبليه غصب عنك، 

يعني مثلًا هتروحي لعمك اللي بيأكلك ويشربك طوال السنين دي ومتحمل مصاريفك، وتقوليله طلقني من ابنك؟ اتجننتي؟ وفكرك حد هيقبل بواحدة مطلقة؟ لاء وكمان من ابن عمها.

انفعلت بعد ما كنت بحاول أكتم غضبي، لكن فشلت.

كل كلمة قالتها كانت بتنزل على قلبي كأنها اتهام، مش نصيحة: 

_إنتوا ليه محسسني إني اتجوزت؟ ده مجرد كتب كتاب!

هزت رأسها بجمود، وردت من غير تردد:

_في الآخر مطلقة.

اتكسرت نبرة صوتي، وحسيت إني خلاص مبقتش قادرة أشيل اللي جوايا: 

_ليه يا خالتو ليه؟ إنتوا مش مراعين مشاعري ليه؟ أنا ساكتة وكاتمة جوايا، بس هيجي يوم وهتفيض مني.

سادت لحظة صمت، قبل ما تقرب مني وتحاول تهديني، وكأن اللي بيحصل مجرد خوف عادي هيعدي: 

_اهدي يا غُفران، واسمعي كلام خالتك وحافظي على بيتك.

" الغضب اتفاقم جوايا بشكل خلاني عايزة أهرب، أسيب كل حاجة ورا ضهري، وأجري بعيد من غير ما ألف أبص ولو لمرة واحدة. حسيت إني لو فضلت واقفة دقيقة كمان، هقول كلام عمره ما هيتنسي. "

_ أنا مش ضعيفة يا خالتو، ومش هدفن نفسي وأنا لسه عايشة! أنا كل اللي بطلبه إني أعيش بحرية ده كتير؟ مستكترين عليا يبقى ليا بيت لوحدي، رغم إنه أبسط حق من حقوقي.

خدِت نفس متقطع وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي، لكن الغصة كانت أكبر من أي محاولة: 

_ أنا ساكتة... والله ساكتة، وعارفة حقيقة كل واحد فيكم كل واحد يا خالتو. بس اليوم اللي هيفيض بيا أقسم بالله مش هسكت، وساعتها محدش يلومني على كلمة هتطلع مني.

لفّيت وشي عنها، ومسحت دموعي بسرعة قبل ما تشوفها، وقلت بصوت مخنوق:

_سلام.

اتحركت من هناك، وكل خطوة كنت باخدها كانت بتبعدني عن المكان، لكنها كانت بتقربني أكتر من ذكريات حاولت كتير أهرب منها. 

الذكريات بدأت تتزاحم جوايا واحدة ورا التانية، وكل واحدة فيهم كانت شايلة ضحكة قديمة، ووعد، وحلم صغير كنت فاكرة إنه هيكمل.

الغريب إنها ذكريات بحبها قريبة لقلبي، لكنها كل ما تيجي تزورني تخنقني، كأنها بتفكرني بكل اللي كان ممكن يكون، وبكل اللي ضاع قبل ما يكتمل.

مش فاهمة ليه الحياة معنداني بالشكل ده؟

مكنتش طالبة منها كتير مكنتش عايزة الدنيا كلها، ولا كنت بجري ورا المستحيل.

 كل اللي كنت بطلبه ركن هادي، قلب يطمني، وبيت أحس فيه إني مش تقيلة على حد.

بس ليه كل حاجة حبيتها اتسلبت مني؟ وليه أي حاجة اتعلقت بيها كانت نهايتها تغدر بيا؟ وليه كل مرة أصدق إن المرة دي مختلفة، ألاقي نفسي برجع لنفس الوجع، بنفس الخيبة، وكأن الحياة مصممة تعلمني إن مفيش حاجة بتدوم.

قعدت في مكان هادئ، بعيد نسبيًا عن الناس. 

سحبت نفس طويل، وأنا ببص للفراغ قدامي، كأني مستنية منه إجابة عمرها ما هتيجي.

مكنتش عايزة أرجع ولا أواجه من تاني ولا أسمع كلام حافظاه، ولا أشوف وشوش بقت بتفكرني بكل حاجة حاولت أنساها.

ابتسمت بسخرية وأنا سألت نفسي:

إيه اللي هيحصل لو غمضت عيني وفتحتها لقيت نفسي أخيرًا بعيش الحياة المناسبة ليّا؟ الحياة اللي كل ما أقرب منها، تتسحب من بين إيديا.

الحياة اللي كنت فاكرة إنها حقي قبل ما أفهم إن حتى الأحلام، ساعات، بيكون ليها أصحاب غيرنا.

وكأن الحياة قررت أخيرًا تكافئني لكن بطريقتها هي.

وكأنها كانت بتجهزلي أهم، وأقسى درس ممكن أتعلمه في عمري.

اهتز الفون بين إيديا برسالة وراها التانية وراها التالتة.

مسدچات سريعة، متلاحقة، خلتني أمسكه باستغراب، وقلبي بدأ يدق أسرع من الطبيعي.

فتحت أول رسالة وفي لحظة... 

حسيت كأن فيه حاجة اتكسرت جوايا.

مش مجرد صدمة كان صوت قلبي وهو بيتشرخ للمرة اللي معرفش عددها.

جسمي كله تجمد، وأنفاسي اتقطعت، وعيني فضلت ثابتة على الشاشة، مش قادرة أستوعب اللي قدامي.

لثواني، حسيت إن العالم كله وقف وإن كل الأصوات اختفت، مفضلش غير صوت وجعي وهو بيعلو جوايا.

يتبع... 

رواية وللقلوب موعد

صمت غفران

    بحث هذه المدونة الإلكترونية